فخر الدين الرازي
159
تفسير الرازي
النوع العاشر : قوله تعالى : * ( وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً ) * . أي منا الصالحون المتقون أي ومنا قوم دون ذلك فحذف الموصوف كقوله : * ( وما منا إلا له مقام معلوم ) * ( الصافات : 164 ) ثم المراد بالذين هم دون الصالحين من ؟ فيه قولان : الأول : أنهم المقتصدون الذين يكونون في الصلاح غير كاملين والثاني : أن المراد من لا يكون كاملاً في الصلاح ، فيدخل فيه المقتصدون والكافرون ، والقدة من قدد ، كالقطعة من قطع . ووصفت الطرائق بالقدد لدلالتها على معنى التقطع والتفرق ، وفي تفسير الآية وجوه أحدها : المراد كنا ذوي طرائق قدداً أي ذوي مذاهب مختلفة . قال السدي : الجن أمثالكم ، فيهم مرجئة وقدرية وروافض وخوارج وثانيها : كنا في اختلاف أحوالنا مثل الطرائق المختلفة وثالثها : كانت طرائقنا طرائق قدداً على حذف المضاف الذي هو الطرائق ، وإقامة الضمير المضاف إليه مقامه . النوع الحادي عشر : قوله تعالى : * ( وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن نُّعْجِزَ اللَّهَ فِى الاَْرْضِ وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَباً ) * . الظن بمعنى اليقين ، و * ( في الأرض ) * و * ( هرباً ) * فيه وجهان الأول : أنهما حالان ، أي لن نعجزه كائنين في الأرض أينما كنا فيها ، ولن نعجزه هاربين منها إلى السماء والثاني : لن نعجزه في الأرض إن أراد بنا أمراً ، ولن نعجزه هرباً إن طلبنا . النوع الثاني عشر : قوله تعالى : * ( وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى ءَامَنَّا بِهِ فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً وَلاَ رَهَقاً ) * . * ( لما سمعنا الهدى ) * أي القرآن ، قال تعالى : * ( هدى للمتقين ) * ( البقرة : 2 ) * ( آمنا به ) * أي آمنا بالقرآن * ( فلا يخاف ) * فهو لا يخاف أي فهو غير خائف ، وعلى هذا يكون الكلام في تقدير جملة من المبتدأ والخبر ، أدخل الفاء عليها لتصير جزاء للشرط الذي تقدمها ، ولولا ذاك لقيل : لا يخف ، فإن قيل : أي فائدة في رفع الفعل ، وتقدير مبتدأ قبله حتى يقع خبراً له ووجوب إدخال الفاء ، وكان ذلك كله مستغنى عنه بأن يقال : لا يخف قلنا : الفائدة فيه أنه إذا فعل ذلك ، فكأنه قيل : فهو لا يخاف ، فكان دالاً على تحقيق أن المؤمن ناج لا محالة ، وأنه هو المختص لذلك دون غيره ، لأن قوله : فهو لا يخاف معناه أن غيره يكون خائفاً ، وقرأ الأعمش : * ( فلا يخف ) * ، وقوله تعالى : * ( بخساً ولا رهقاً ) * البخس النقص ، والرهق الظلم ، ثم فيه وجهان الأول : لا يخاف جزاء بخس ولا رهق ، لأنه لم يبخس أحداً حقاً ، ولا ( رهق ) ظلم أحداً ، فلا يخاف جزاءهما الثاني : لا يخاف أن